حبيب الله الهاشمي الخوئي
78
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
يصبر الانسان في نوائب الدهر ولا يلقى بيده إلى التهلكة مع أن الجزع لا فائدة فيه يكون مورثا لتلك الأمراض المزمنة ولذلك كله امر في الشرع بالصبر ونهى عن الجزع . قوله عليه السّلام ( ولكنه ما لا يملك ردّه ولا يستطاع دفعه ) استدرك عليه السّلام تسلية لنفسه ولغيره بقوله ولكن الموت الذي لأجله البكاء والحزن مما لا يملك ولا يقدر ردّه ولا يطاق دفعه فلا فائدة في الجزع والبكاء والحزن فصبر جميل والاحتساب حسن وما أحسن السعدي بقوله : خبر دارى اى استخوان قفس كه جان تو مرغى است نامش نفس چون مرغ از قفس رفت وبگسست قيد دگر ره نگردد بدام تو صيد ويمكن أن يعود الضمير في لكنه ورده ودفعه إلى الأمر الذي هو البكاء والحزن ويكون تمهيدا للعذر على البكاء والحزن مع انّه صلَّى اللَّه عليه وآله أمر بالصبر ونهى عن الجزع فقال عليه السّلام ان البكاء والحزن بهذا المقدار الذي صدر منا مما لا نملك على رده ولسنا بقادر على دفعه كما قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله لما مات ابنه إبراهيم وهملت عينه بالدموع : يحزن القلب وتدمع العين ولا نقول ما يسخط الرّب . قوله عليه السّلام ( بأبى أنت وأمي اذكرنا عند ربك واجعلنا من بالك ) أعاد التفدية إعزازا وتعظيما له صلَّى اللَّه عليه وآله وإبرازا لما في الضمير كرة بعد كرة توكيدا من أنّه صلَّى اللَّه عليه وآله أحب النّاس إليه بحيث يجعل أبويه فداءه ثمّ سأله والتمس منه أن يذكره عند ربه وان يجعله من باله ، يعنى أن يكون في قلبه صلَّى اللَّه عليه وآله بمنزلة ومكانة بحيث يهتمّ به ولا ينساه عند ربه . ويؤيد ما في الرواية المنقولة في البحار : واجعلنا من همك ، مكان من بالك وفى أخرى من بالك وهمك بجمع كليهما وسنذكرهما بأسرهما ، وغاية مأموله عليه السّلام ان يذكر بلسان خاتم الأنبياء صلَّى اللَّه عليه وآله عند اللَّه تبارك وتعالى ومن رزق نور المعرفة يدرك علوّ شأنه وجلالة قدره من امله هذا نعم إن العبد يلتذ أن يذكر عند اللَّه ولا يرجو سواه والحبيب يحب أن يذكر اسمه عند الحبيب ويذكر الحبيب عنده ويلهج لسانه بذكره ويقول يا رب أذقنى حلاوة ذكرك .